ارتفاع حرارة الأرض يزيد انتشار الأمراض في العالم
27 مايو 2006
القدس المحتلة (المنار) الارتفاع العالمي في درجة حرارة الأرض أحد أسباب ازدياد حالات الملاريا في مناطق أفريقيا المرتفعة. هذا ما تشير إليه صراحة دراسة نشرت أخيرا في مجلة الأكاديمية القومية الأميركية لتطورات العلوم.
| |  |
| | دورة حياة الملاريا |
وكانت دراسة واسعة قبلها نُشرت عام 2002 قد ذكرت ان ارتفاع حرارة الأرض لا علاقة له بازدياد انتشار الملاريا، لكن الدراسة الدولية الجديدة والأوسع من سابقتها، لعلماء من جامعات متشغن وهاواي وسانتا باربرا في الولايات المتحدة تحت إشراف مجموعة عمل التغيرات العالمية والأمراض المُعدية التابعة للمؤسسة القومية الأميركية للعلوم، أكدت أن الاحتباس الحراري والتغيرات المناخية المُصاحبة أحد عوامل زيادة حالاتها. وهذا هو ما استدركته الدكتورة مرسيدس باسكال الباحثة الرئيسة قائلة إن نتائجنا لا تعني أنها العامل الأوحد أو العامل الرئيس، لكنها ضمن جملة من العوامل التي يجب التنبه لها وأخذ تأثيرها بعين الاعتبار. وهو ما تعني به انتشار مقاومة ميكروبات الملاريا اليوم للأدوية المُستخدمة، اضافة الى مقاومة البعوض الناقل لها للمبيدات الحشرية المُستخدمة، والتغيرات في استخدام الأراضي من زراعية وسكنية وغيرها بما زاد من رقعة انتشارها في بعض المناطق. وأضافت الباحثة إنها وجدت أن ارتفاعاً طفيفاً في درجة الحرارة ما بين عام 1950وعام 2002 يُقدر بحوالي نصف درجة مئوية كان له تأثيرات بيولوجية حيوية عدة. وهو ما استخدمته في تحليل تداعياته تقنيات حسابية رياضية وتحليلية عالية.
واستطردت إنها بينت أن الارتفاع البسيط للحرارة يزيد بشكل كبير في أعداد البعوض، وهو عامل مهم في زيادة نقل العدوى بالمرض. وتعتزم الدكتورة مواصلة البحث، لأنها اقتصرت على دراسة تأثيرات الحرارة على البعوض الناقل دون البحث في التأثيرات على ميكروبات الملاريا نفسها وعدوى الإنسان بها.
حرارة الأرض وتأثيراتها وفق تقارير لجنة الخبراء الحكومية للدول التابعة لمنظمة الأمم المتحدة لمتابعة التغيرات المناخية IPCC، فإن من المتوقع أن يبلغ معدل ارتفاع درجة حرارة الأرض، عن معدلها الحالي عموماً، بحلول عام 2100 ما بين 2 إلى 2.5 درجة مئوية، بمدى يتراوح ما بين 1.5 إلى 4 درجات في مناطق دون مناطق اخرى. وهو ما يُمثل للمتابعين للأمر سرعة في زيادة حرارة الأرض بشكل يفوق الطبيعي والمتوقع بأكثر من خمسة أضعاف. كما أنها تشير إلى أن معدل منسوب مياه البحر سيرتفع بمقدار يتراوح ما بين 34 إلى 52 سم. وتتوقع اللجنة جملة من التداعيات لهذه التغيرات المناخية منها أنه سيخف مقدار النمو الاقتصادي والنمو السكاني.
إلى هذا، فإن الوسط الطبي العالمي اليوم يهتم بالأمر من جوانب شتى، وخاصة فحص مدى تأثيراته على الصحة وجوانب ذلك بواقعية محضة دون الالتفات إلى النظرات المتشائمة والمُهولة له ولا النظرات المُقللة من أهمية التغيرات المناخية أو العوامل المُساهمة في تفاقم المشكلة. وبصفة خاصة فإن منظمة الصحة العالمية تصف اليوم موضوع الاحتباس الحراري وتداعياته الصحية بأنه تحد صحي عالمي مهم ذو تأثير على المستقبل البشري.
وقسمت المصادر الطبية، لدى مراجعة راجعت الأمر وتأثيراته إلى عنوانين رئيسين، التأثيرات المباشرة والتأثيرات غير المباشرة، فوكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة قالت إن التغيرات المناخية لها تأثيرات واسعة على صحة الإنسان عبر كل من الطريق المباشر وغير المباشر.
التأثيرات المباشرة: وقالت الوكالة إن التأثيرات المباشرة تشمل زيادة الوفيات أو تدهور حالات المرضى نتيجة لموجات متزايدة ومتوقعة من ارتفاع درجات الحرارة. كما أن معدلات الوفيات وحوادث الإصابات والاضطرابات النفسية والتعرض للمياه الملوثة بالمواد الكيميائية تزداد في حالات الكوارث الطبيعية من عواصف وفيضانات وأعاصير، والتي من المتوقع ارتفاعها نتيجة ارتفاع الحرارة. وترى بعض المصادر الطبية المهتمة بالشأن البيئي أنه بالنظر إلى الارتفاع العالمي الحالي في معدلات التمدن وزيادة الهجرة من الريف، فإن التأثيرات الصحية المباشرة للاحتباس الحراري العالمي ستصبح مشكلة بالغة، لأن ارتفاع الحرارة مع كثرة التعرض للأشعة فوق البنفسجية نتيجة ضعف الغطاء الواقي من طبقة الأوزون، سيزيدان من الضباب الكيميائي الضوئي خاصة فوق المدن. وارتفاع حرارة الليل تحديداً سيزيد من معدل الوفيات في المدن أيضاً.
بمعنى أن الحديث هنا واقعي وإن كان افتراضيا، ولا علاقة له بالخيال من جوانب كثيرة، ومبني على ما يقوله المتخصصون في الأرصاد الجوية وعلم المناخ والجيولوجيا وغيرها من العلوم، فيما يخص تأثيرات ارتفاع الحرارة وتداعياته على الأرض.
وهنا لدينا عناصر محددة، وهي ارتفاع درجة حرارة الجو في الليل والنهار، وفي الصيف والشتاء، وزيادة التعرض للأشعة فوق البنفسجية، والاعتماد على المكيفات الهوائية بشكل أوسع، وارتفاع معدلات تلوث الجو والتربة والماء بالمواد الكيميائية والبيولوجية. وهناك عناصر غير محددة تتمثل في الكوارث الطبيعية من أعاصير وزلازل وبراكين وفيضانات وذوبان جليد وارتفاع منسوب مياه البحر.
كل هذه العناصر للمتغيرات المتوقعة يُمكن التعامل معها من الجانب الصحي بزيادة اعتماد الأبحاث حول أفضل سبل المعالجة والوقاية، وتوسيع نطاق الخدمات الطبية لمواجهتها عبر زيادة المتخصصين فيها وتوفير الإمكانيات لمعالجتها. > التأثيرات غير المباشرة: وتشمل هذه، كما تضيف نشرات الوكالة، زيادة محتملة في انتقال العدوى بالأمراض المعتمدة على نواقل طبيعية من حشرات وغيرها. وكذلك الحال مع الأمراض التي لا تحتاج إلى نواقل، لكنها تنتقل نتيجة التغير في توزيع المياه وتوفرها واضطرابات الحرارة وتكاثر الميكروبات.
كما أن الحرارة ترفع من درجات تلوث الجو والماء، الأمر الذي يزيد من حالات عدوى الجهاز التنفسي والهضمي. وكذلك الحال مع احتمالات تأثر الزراعة والري بما يعيد إلى الأذهان شبح المجاعة. وتظل تأثيرات ارتفاع منسوب ماء البحر أحد ما لا يُمكن التنبؤ بتداعياته على وجه الدقة من ناحية التوزيع الديموغرافي ونتائجه على الصحة. وهنا يكثر الجدل بين الباحثين في التأثيرات الصحية والطبية الناتجة عن ارتفاع درجة حرارة الأرض والتداعيات المُفترضة. والحديث عن تغيرات محتملة في الأمراض المُعدية أو ظهور أمراض جديدة غير مُعدية في مجتمعات لم يسبق انتشارها فيها. وكذلك الأمراض غير المعدية والتي ربما يتوقع البعض انتشارها في أماكن لم تكن من قبل مرتبطة بتغيرات المناخ وتداعياته، من تغير في نوعية الغذاء أو العوامل البيئية أو التغيرات السكانية. وتشمل الجوانب الصحية بمعناها الواسع من جينات ونفسية وتداعيات تغير أنماط التغذية والنشاط البدني، إضافة إلى تأثيرات الأدوية على الجسم وغير ذلك. وهو ما يصعب التكهن به، لكن الخطوط العامة للتوقعات مفهومة بداهة بما هو متوفر من معلومات طبية وبما هو ملاحظ من تأثر الناس بتغير المناطق السكنية والهجرات.
| |  |
| | حمى الضنك من الأمراض التى تأثرت بارتفاع درجة الحرارة |
أما التغيرات في الأمراض المُعدية فالخيال والواقع العلمي خصب في تخيلها، فالأمراض المعدية التي دورة حياة ميكروباتها تستلزم وجود ناقل من الحشرات، من المحتمل وبشكل كبير أن ترتفع نسبة الإصابات بها. وهناك عدة أسباب لهذا، فالتغيرات الحرارية توسع النطاق الجغرافي لانتشار الحشرات الناقلة كما تزيد من معدل تكاثرها وتوالدها، هذا بالإضافة إلى زيادة معدل تكاثر الميكروبات داخل الحشرات نفسها، وكذلك معدل تعرضها للبشر بالقرص وبالتالي نقل المرض.
والملاريا وحمى الضنك يمثلان اليوم أول أمثلة لنتائج ارتفاع حرارة الأرض، اذ ان الملاريا التي اقتصر وجودها في الفترات الزمنية السابقة على مناطق منخفضة لأن الميكروب يحتاج إلى حرارة أعلى من 16 درجة مئوية للتكاثر، نجدها اليوم منتشرة في مناطق مرتفعة من أفريقيا خلال الأوقات غير الموسمية الحارة.
وحمى الضنك التي تقتل درجة حرارة التجمد بيض البعوض الناقل لها عادة، نجدها اليوم في مناطق مرتفعة من المكسيك على ارتفاع 1700 متر فوق سطح البحر حيث لم تكن في السابق تنتشر فيها. وتؤثر الحرارة على دفء المياه، وبالتالي على إمكانية إصابة البعوض نفسه بالميكروبات، وكذلك الحرارة ترفع من معدل تكاثر فيروسات حمى الضنك داخل البعوض، وتزيد من رغبة البعوض في قرص الإنسان، وبالتالي ارتفاع معدلات عدوى الناس.
وارتفاع منسوب ماء البحر بكل تداعياته على الحياة الفطرية للسياحل، يرى كثير من الباحثين أنه سيرفع من معدلات الإصابة بالكوليرا وإصابات القواقع البحرية بها. هذا بالإضافة إلى التأثيرات الصحية للهجرات السكانية المحتملة من المناطق الساحلية المنخفضة.
وسائل صحية لا يركز المختصون بالشؤون الصحية والخدمات الطبية على معرفة المخاطر المحتملة الناجمة فقط، بل على تطوير وسائل تُقاوم هذه الآثار العكسية على الصحة. وذلك عبر تحسين وتوسيع نطاق خدمات الرعاية الطبية، ورفع كفاءة التحضيرات لمواجه الكوارث وتخفيف تبعاتها، وزيادة وسائل الوقاية من نشر وتوفير مكيفات الهواء وتنقية للمياه وبرامج تناول اللقاحات وغيرها، ورفع مستوى التثقيف الصحي الموجهة للعناية بالصحة الشخصية، بالإضافة إلى تشجيع البحوث والدراسات وبرامج التدريب الصحي والطبي.
والحقيقة الملاحظة أن هناك نوعاً من الحاجة إلى تفهم المتخصصين في الطب وخاصة طب الأعمال الوظيفية، الذي يُعنى بصحة الإنسان المتعلقة بتأثيرات نوع الوظيفة العملية التي يُمارسها ومخاطرها الصحية، والطب البيئي، الذي يبحث في جوانب تأثيرات البيئة وتغيراتها على الصحة، إلى تكوين نوع من الربط بين علم المناخ والتغيرات الكونية لوضع أسس للمخاطر الصحية المحتملة للتغيرات على الأرض بشتى أنواعها. بما يعني وضوح الروابط بين الصحة العامة والأنظمة البشرية لدعم حياة الناس وتسهيل سبل المعيشة على الأرض بصفة مجردة. ولعل قضايا مثل طبقة الأوزون والاحتباس الحراري بدايات لهذا العلم وأسسه.
الإنسان وتأثيرات الحرارة المباشرة > تؤكد وكالة حماية البيئة في الولايات المتحدة أن التعرض لدرجات متطرفة من الحرارة إما ارتفاعاً أو انخفاضاً قد يُودي بحياة الإنسان، فالارتفاع الشديد للحرارة في يوم ما يزيد من معدل الوفيات بشكل عام. ومن يعانون من اضطرابات مرضية في القلب، بصفة خاصة، عليهم بذل جهد أكبر للإبقاء على درجة حرارة منخفضة لأجسامهم في الأجواء الحارة، بالإضافة إلى تأثيرات ضربات الشمس وزيادة الإصابة بأمراض الجهاز التنفسي.
وارتفاع الحرارة يزيد من نسبة الأوزون في طبقات متدنية من الغلاف الجوي (أقرب الى سطح الارض). ومن المعروف أن وجود طبقة كافية من الأوزون في مناطق عليا من الغلاف الجوي يحمي الأرض ومن على سطحها من تأثيرات الأشعة فوق البنفسجية الكونية، لكن وجود الأوزون في مناطق أدني من الغلاف الجوي يضر بالإنسان. وهو ما يجعل المرء السليم يشعر بألم في الصدر وغثيان واحتقان الرئة، وللتقريب فإن ارتفاع درجة حرارة الجو بمقدار حوالي 1.5درجة مئوية يرفع من نسبة الأوزون بنسبة 5%!.
والإحصاءات الطبية تقول إن معدل الوفيات يرتفع في الأيام الحارة، خاصة بين المتقدمين في العمر أو الصغار جداً، ففي يوليو من عام 1997 قتل الحر أكثر من 700 شخص في شيكاغو وحدها، والدراسات من أتلنتا أشارت إلى أن ارتفاع الحرارة حوالي درجة مئوية واحدة رفع المعدل اليومي للوفيات من حوالي 78 شخصا إلى نسبة تتراوح بين 100 إلى 250 شخصا يومياً. ومن المتوقع أن تكون المعدلات أقل في حال توفر مكيفات الهواء.
ونسبة الوفيات من ارتفاع حرارة الجو تفوق من يموتون بسبب برودته، ففي الولايات المتحدة يتوفى حوالي 1000 شخص سنوياً من البرد، لكن ضعفهم يموت من الحر. والتأثر بزيادة البرودة لا يُقارن بزيادة ارتفاع الحرارة، فالوفيات من نقصان البرودة من 4 تحت الصفر إلى 6 تحت الصفر أقل من الوفيات بارتفاع درجة الحرارة من 37 إلى 39 درجة مئوية.
تخطيط وسائل العناية الطبية يتطلب معطيات دقيقة > التفكير الطبي في المشكلة قاصر جداً اليوم وفي نفس الوقت صعب جداً، والسبب أنه ينظر إلى تداعيات مشكلة مستقبلية مفترضة وفق معطيات حالية، بمعنى أنه يُحاول أن يفترض تخيلاً لصورة مستقبلية لم تقع وفق معطيات حالية كواقع ما سيكون عليه الحال مستقبلاً. وهذا الخلل في التفكير ليس كالتفكير الطبي لوضع برامج العناية الطبية المستقبلية او ميزانيات نفقاتها، لأن الفارق بين الجانبين كبير. ففي وضع برامج الرعاية وتوسيع خططها المستقبلية يتعامل المُهتمون بالشأن الصحي والطبي مع معطيات واقعية وأمثلة مجربة أو متصورة وجوانب تطورها المتوقعة.
أما في حال تداعيات الاحتباس الحراري فنحن نتعامل مع تصورات لم نتيقن بعد من احتمالات حصولها ولا شكل ظهورها ولم نأخذ في الحسبان مدى تطور الطب أو تقدم وتأخر كثير من المعطيات السكانية والصحية والجغرافية والغذائية وغيرها كثير مما يؤثر بشكل مباشر على الصحة.
ولعل أوضح الأمثلة هو عدم معرفتنا لكوارث صحية وقعت اخيرا من أعاصير أو زلازل أو انتشار أوبئة، هل هي وقعت بسبب التغيرات المناخية الحرارية تحديداً أم هي لأسباب طبيعية خارجة عن دائرة التأثيرات الحرارية تماماً. وتداعيات هذه الكوارث من الناحية الصحية هل بلغت هذا الحجم من الضرر بسبب طبيعتها أو لقصور الخدمات المقدمة في متابعتها.